|
قبل أن نفصل في حكم الرقى والتمائم نذكر قواعد جامعة نافعة فنقول :-
أولا
/ إن العلماء قد قسموا الشرك باعتبار حكمه إلى قسمين
1- شرك أكبر
2- شرك أصغر والأصغر أنواع ومنه ما يسمى بشرك الأسباب وهو اعتقاد الشيء
سببا ولم يجعله الله سببا ومن ذلك ما يكون من التمائم كلبس الخيط
والحلقة ونحوها لجلب النفع أو دفع الضر وضابط كونه من الشرك الأصغر أن
صاحبها يعتقد فيها السببية فقط فهذا شرك أصغر وذلك
أنه اعتقد فيها السبب والله لم يجعل فيها ذلك وفي ذلك أيضا أنها مخالفة
لإرادة الله عز وجل وأمره في كونه وأما
إن اعتقد أنها بذاتها مؤثر وأنها قادرة على صرف الأخطار عنه وجلب
المنافع له فهو من الشرك الأكبر الذي لا شك فيه
ثانيا /
أن
نفرق بين ما جعله الله سببا وبين مالم يجعله سببا فنقول
يثبت
الشيء كونه سببا بأحد طريقين الأول : ما ثبت عن طريق الشرع مثل ما ثبت
أن قراءة القرآن فيها شفاء من الأمراض وكذلك أوراد الصباح والمساء أو
أكل سبع تمرات حتى لا يضر آكلها سم ولا سحر فهذه الأمور أسباب للحفظ في
الدين والدنيا.
الثاني : التجربة ( السبب الكوني المحض ) وضابطه أن تصح هذه التجربة
بالعقل السليم الصحيح الذي لا يخالف النقل فأما إن خالف النقل فهو باطل
غير معتبر وان زعم صاحبة النفع والتأثير بالتجربة
وما
عدى هذين الطريقين يكون السبب فيها ممنوعا وغير مشروع
ثالثا
/ إن الحكم في الرقى والتمائم والتولة ونحوها يختلف باختلاف
اعتقاد فاعلها واختلاف طريقته فيها على ما سيأتي تفصيله فأقول:
أما الرقى فقد وضع العلماء لها شروطا حتى تكون جائزة :-
1- أن تخلو من الشرك أي من الاستغاثة والالتجاء بغير الله عز وجل
ودعاء غيره
سواء من نبي مرسل أو ملك مقرب أو ولي صالح وإلا اعتبرت شركا أكبر
2-
أن تكون بكلام الله أو بأسمائه وصفاته الواردة والثابتة عن النبي صلى
الله عليه وسلم
3- أن تكون باللغة العربية وقد نقل الإجماع على هذا
4- أن لا يعتقد أن الرقية مؤثرة بذاتها بل هي سبب فقط.
وأما
التمائم فيقال عنها :
أنها ممنوعة مطلقا وحكمها كما تقدم في القواعد أنه إذا اعتقد أنها مجرد
سبب فهذا من الشرك الأصغر وان اعتقد أنها مؤثرة بذاتها فهو شرك أكبر
ويدخل تحت الشرك الأكبر كل ما علق أو اتخذ لدفع بلاء أو لرفعه أو لجلب
خير أو لحفظ الأبناء أو الدواب أو نحوه مما يراد وكان بداخله طلاسم
سحرية أو استغاثات بغير الله عز وجل لما جاء في كتاب الله عز وجل وسنة
نبيه محمد صلى الله عليه وسلم في تحريم السحر والاستغاثة بغير الله عز
وجل ودعاء غير الله عز وجل وأنه من الكفر الأكبر
والدليل على أن
ما حوت في داخلها على طلاسم سحرية أنه كفر أكبر
قوله تعالى عن السحر (
واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سلمان وما
كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على
الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة
فلا تكفر فيتعلمون ما ينفعهم ولا يضرهم ولقد علموا لمن اشتراه ماله في
الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون ) البقرة
102
وقال النبي
(
اجتنبوا السبع الموبقات ... وذكر الشرك بالله والسحر ...) الحديث
رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة
وآما الأدلة على ما
حوت بداخلها على استغاثات بغير الله عز وجل فقد قال الله تعالى (
قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا )
وقال الله تعالى (
سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون )
وقال الله تعالى (
ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن
دعائهم غافلون )
وقال الله تعالى (
ومن يدعو مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه إنه لا
يفلح الكافرون )
وقال تعالى (
له
دعوة الحق والذين يدعون من دونه لا يستجيبون لهم بشيء إلا كباسط كفيه
إلى الماء ليبلغ فاه وما هو ببالغه وما دعاء الكافرين إلا في ضلال )
وأما إن كان المعلق
لا يحتوي على شيء مما ذكر بل مجرد خيط أو ودعة أو حلقة أو حذاء أو خرز
أو حذوة حصان أو نحوه مما يتخذ لجلب نفع أو دفع ضر ففيه التفصيل الذي
سبق ذكره فمن اعتقد أنها تنفع وتضر وتجلب الخير وتدفع العين وترفع
المرض وتحفظ الأبناء والدواب وأنها مؤثرة بذاتها فهذا من الشرك الأكبر
وأما من اعتقد أن
هذه الأشياء مجرد أسباب فهذا من الشرك الأصغر لأن الله عز وجل لم
يجعلها سببا وفي ذلك مشابهة لأعمال أهل الجاهلية ولذا وردت الأحاديث في
حرمتها منها ما رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة وابن حبان من طريق يحي
الجزار عن ابن أخي زينب امرأة عبد الله بن مسعود عن ابن مسعود أن النبي
قال
( إن الرقى والتمائم والتولة شرك ) وهذا اسناد فيه جهالة ولكن للحديث
طريق أخرى عن ميسرة بن حبيب عن المنهال ابن عمرو عن قيس بن السكن عن
عبدالله بن مسعود وهي عند الحاكم ولعلها تعضد الطريق الأخرى. وكذلك ما
رواه الامام احمد وابن حبان من طريق حيوة عن خالد بن عبيد المعافري عن
مشرح بن هاعان عن عقبة بن عامر رضي الله عنه أن النبي
قال
( من تعلق تميمة فلا أتم الله له ومن تعلق ودعة فلا ودع الله له ) وفي
رواية ( من تعلق تميمة فقد أشرك
) وهذا اسناد جيد ما خلا خالد بن عبيد
المعافري فهو مجهول. وكذلك ما رواه الامام أحمد وابن ماجة من طريق
مبارك بن فضالة عن الحسن البصري عن عمران بن حصين أن النبي
رأى
رجلا في يده حلقه من صفر – وهو النحاس - ، فقال : (ما هذه ؟ قال من
الواهنة . فقال انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهنا فإنك لو مت ما أفلحت
أبدا ) وهذا اسناد ضعيف ، مبارك بن فضالة مدلس وقد عنعن والحسن لم يسمع
من عمران . وفي الصحيح غنية عن الضعيف فقد روى البخاري ومسلم من طريق
مالك عن عبد الله بن أبي بكر عن عباد بن تميم
أن أبا بشير الأنصاري رضي الله عنه أخبره
أنه كان مع رسول الله
في
بعض أسفاره ( فأرسل رسولا أن لا يبقين في رقبة بعير قلادة من وتر أو
قلادة إلا قطعت )
وقال الرسول
(
يا رويفع لعل الحياة تطول بك فأخبر الناس أن من عقد لحيته أو تقلد وترا
أو استنجى برجيع دابة أو عظم فإن محمداً بريء منه ) رواه أحمد والنسائي
وإسناده صحيح
وقد اشتهر عن
الصحابة إنكار مثل هذه الأمور كحذيفة وابن مسعود رضي الله عنهما
وأما
أسباب تحريمها:
1/
فلما
فيها من تعلق القلب بغير الله.
2/
ولأنها ليست سبباً شرعياً ولا قدرياً، واعتقاد أنها سبب تشريع مع الله،
ومنازعة له في خلقه وأمره.
3/
وأنها
تفتح على العبد باب الخرافة، وتقوده إلى الشرك.
4/
وأنها
سبب للخذلان؛ لأن من تعلق شيئاً وُكل إليه.
5/ وأنها قد
تحتوي على استغاثات بغير الله عز وجل كالاستغاثة بالنبي
أو
بأحد من الملائكة أو بالشياطين
وأما إن كان المعلق من
القرآن أو الأدعية المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم أو أسماء الله
الحسنى
فالقول في هذه
المسألة أنه لا يجوز وهو رأي ابن مسعود وحذيفة رضي الله عنهما وهو ما
يفتي به كثير من العلماء وذكروا لذلك عدة وجوه:
الأول / عموم النهي
ولا مخصص للعموم
الثاني / سد للذريعة
فإنه يقضي إلى تعليق ما ليس كذلك
الثالث / أنه قد
يفضي إلى امتهان الشيء المعلق
رابعا /
أنه
قد يفضي إلى ترك السنة التي جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم في قراءة
الأذكار والمحافظة عليها في أوقاتها كأذكار الصبح والمساء ودعاء دخول
المنزل والخلاء وأدعية النوم فيترك المسلم ما يتعبد الله بها من
الأدعية ويكتفي ويتواكل على ما علق
خامسا / أن الاستشفاء بالقرآن والأدعية المأثورة وردت في السنة بطريقة
معينة فلا مزيد عليها |